الأحد 24 أكتوبر 2021

الشيخ معمر حني في حوار مع الشروق اليومي

الشيخ المقرئ معمر حني رحمه الله.

الشيخ معمر حني في حوار مع الشروق اليومي

الشيخ معمر حني في حوار مع الشروق اليومي. مقال نشر في الشروق اليومي يوم 18 – 08 – 2010

[Gum_Resp_In_Post]

لم نكن نتوقع ونحن ندخل دار الشيخ معمر حني بمدينة وهران مع الأساتذة :

لم نكن نتوقع جميعا أن يطول حواري مع الشيخ إلى أكثر من ساعة، كونه أطلّ على سنّ التسعين، فضلا عن أنه مقعد حبيس البيت منذ مدّة كما أخبرنا ابنه عبد المالك ونحن نستفسره عن أحوال أبيه.

بالإضافة إلى ترمّله منذ ستة أشهر بعد أن فقد زوجه العزيزة على قلبه، كما قال، وهي التي أحبّها حباًّ لم تشبه كُدورة ولا خصام طوال 59 سنة من الزواج،
وهو أول خريج جزائري من الزيتونة في علم القراءات.

الشروق : يسعد جريدة الشروق أن تحاوركم بصفتكم أحد الأعمدة المهمة في جمعية العلماء والحركة الوطنية .. فحدثونا عن بداية المشوار.

 حفظت القرآن على يد الشيخ سي أحمد بوقة ( رحمه الله ) وهو رجل كفيف، وأنا ابن 14 عاما، فقدمني لأصلي التراويح بالناس وقال لهم:

” لا ينبغي لأحد أن يفتح عليه إذا أشكل الأمر عليه في التلاوة إلاّ أنا !”..

كما تلقيت تعليم المبادئ الفقهية والنحوية على يد عالم جليل هو الشيخ محمد الزبيري ( رحمه الله ) بمدينة قمار بالوادي.

ولما بلغت الواحدة والعشرين من عمري، قرَّر والدي (رحمه الله) أن يرسلني لأتمم دراستي بالزيتونة في تونس، وكان جامع الزيتونة كالأزهر.

وكان خرِّيجه يلقى في وطنه وبين أهله كل الإجلال والتقدير،
وكان اسم مدير جامع الزيتونة هو : ” عبد العزيز بن زعيط ” حيث أجروا لي امتحانا أوليا يعتبر شرطا أساسا لمن يريد الدراسة هناك .

الشروق : وكيف كانت حالة الإيواء والإطعام والظروف القاسية في طلب العلم ؟

 يعود الفضل في الحقيقة إلى الإخوة التونسيين، وكانت كلمة جزائري بالنسبة إليهم كافية لجعل صاحبها لدى الإخوة التونسيين محل احترام وتبجيل،
وكان الجزائري بدوره في مستوى ما ينزلونه من منازل التقدير من ناحية الصدق والأمانة..

الكلُّ تغير في هذا الزمان، ولعلنا نُجازى لدى جيراننا بالإزراء حاليا على طريقة ” كما تدين تدان ” لأن الجزائريين أولا وأخيرا هم قدوة المغرب العربي، فإذا صلحوا صلح الناس وإذا فسدوا فسد الناس كالقلب في الجسد ..

كانت لدى الإخوة التونسيين جمعية خيرية تتكفل بالإطعام، سواء للطلبة أو للفقراء؛ يتولى الإشراف عليها ثلاثة شيوخ من الزيتونة، وقد تكفلت بي،
إذ كنت لا أملك ثمن وجبة واحدة ووالدي لفقره المدقع لم يرسل لي بعد سنوات إلا 100 دورو ! ( بين سنتي 1946 – 1947 ).

ولكي تُقبل لدى هذه الجمعية لابدَّ لك من شهادة لدى من يسمونه في ذلك الزمن ” شيخ التراب ” فيعطيك شهادة بناء على شهود عدول.

ومن أين لي أنا الغريب عن الديار بهؤلاء الشهود ؟

لكن الشيخ عبد القادر الزغواني ( رحمه الله ) – وهو أستاذ في الزيتونة –
سوَّى لي وضعيتي بمعية الشيخ محمد اللقاني ( وهو من الطيبات بالقرب من تقرت ).

الشروق : وبأي شهادة تخرجت ؟

 تخرجت بشهادة اسمها شهادة التحصيل في العلوم بمعنى الشرعية والنحوية، وهي نفسها شهادة التحصيل في القراءات العشر. وقد كانت تقارن عندنا في زمن الاستقلال بالبكالوريا.

ثم تحصلت على العالِمِيَّة في القراءات وهي تعادل شهادة الليسانس في ذلك الزمان.

الشروق : وبهذه الدرجة العلمية شددتم الرحال إلى أرض الوطن ؟

 نعم، عدت إلى أرض الوطن وأية عودة ؟!

كانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قد افتتحت معهد عبد الحميد بن باديس (رحمه الله) بقسنطينة،
وقد اتصل الشيخ العلامة البشير الإبراهيمي بشيخ الزيتونة محمد الطاهر بن عاشور من أجل الموافقة على أن يكون المعهد الباديسي فرعا من فروع الزيتونة،
لأن فرنسا لا تعترف بالشهادة التي يمنحها المعهد للمتخرجين،
علما أن لجامع الزيتونة فروعا في كل من صفاقص، سوسة، بنزرت وغيرها .

الشروق : أصبحتم بتلك الشهادة مدرسا في معهد ابن باديس ؟

 نعم، حيث تدارست مجموعة من الشيوخ أمر احتياج المعهد إلى شيخ قراءات، فلم يجدوا..

أمام احتياج مئات الطلبة في الجزائر إلى تعلم القراءة ولو على رواية ورش عن نافع كما هو مشهور عندنا في المغرب العربي.
وكان مدير المعهد الشيخ العربي التبسي ( رحمه الله ).

فاتصل به بعض الذين درسوا في الفترة نفسها التي درستها في الزيتونة، وقالوا:

” لدينا خريج في القراءات !”.

فما كان من الشيخ العربي التبسي أمام هذا الخبر السار إلا أن يشدَّ الرحال إلى تونس ليأخذني معه إلى قسنطينة،
فجاء إليَّ وأنا في الزيتونة برفقة من يعرفني، وقبل أن يصل إليّ راح يبتسم ويشير إليّ بيده وهو يقول :

” مقعدك في المعهد ينتظرك ! “.

وهي العبارة التي قالها لي وحفظتها دون زيادة أو نقصان وكان عمري آنذاك دون الثلاثين .

الشروق : وبالنسبة للراتب هل كان يفي بحاجياتكم في ذلك الظرف ؟

 كنا نحصل على ” 12 ألف فرنك ” في الشهر، والإيواء والأكل مضمونان في المعهد؛
ثم زادنا الشيخ البشير في الراتب فوصل إلى 20 ألف مع انفراد الأساتذة بالأكل في قاعة مخصصة لهم.

وأذكر أنني كنت مع الشيخ العربي التبسي إلى جوار الشيخ البشير ( رحمهما الله ) وذلك في مكتبه، بحضور مجموعة لا بأس بها من رجال المعهد والجمعية فربَّت الشيخ البشير على كتفي وهو يقول للحضور :

” هذا الذي ترونه اسمه مذكور في القرآن !”.

فنظر بعضهم إلى بعض باستغراب وتعجّب وكأنهم لم يصدقوا ما قاله الشيخ البشير، الذي تلا عليهم مباشرة قوله تعالى :

( وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلاَ يَنْقُصُ مِنْ عُمُرِهِ ) !

الشروق : وهل حظيت بالحفاوة لدى رئيس الجمعية الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله ؟

 نعم، وقبل هذا وذلك في سنة 1949 – إن لم تخني الذاكرة – طلبوا منّا نحن الأساتذة أن يكتب كل واحد منا مقالا مرفقا بالصورة الشخصية والسيرة الذاتية لكاتب المقال،
وقد حدَّد الشيخ البشير نفسه عناوين المقالات من أجل إصدار عدد خاص بمعهد عبد الحميد بن باديس.

وكان من المعنيين أيضا العباس بن الشيخ الحسين وأخوه إسماعيل ..
وقد استعصى الوفاق مرة في إحدى جهات الشرق الجزائري ( مداوروش بولاية سوق أهراس ) بين ممثلي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فقال لهم الشيخ البشير :

” لا يصلح لرأب هذا الصدع إلا الشيخ معمر “.

الشروق : هل حاولت الالتحاق ب ” الفلاقة ” ؟ !

 لو كنت أقدر على حمل السلاح لفعلت ولكن لم أكن قادرا ..

الشروق : ولكنك كنت تملك سلاحا حادا – هو اللسان – فهل شهرته في وجه فرنسا وأنت في المسجد خطيبا، وهل تعرضت من قبل فرنسا إلى مضايقات ؟

 لا، لقد استعملت كل الحيل في الكلام أثناء الخطابة حتى لا أعاقب من قبل الإدارة الفرنسية! ولقد حضرت مأتما ذات يوم للتعزية وكان ” القايد ” حاضرا فأجلسوني إلى جنبه.. وبعد أن جلست إلى جنبه و”تسالمنا” قال لي: ” يا شيخ ما مصير هؤلاء الناس عند الله ؟!” يقصد المجاهدين .

الشروق : وبماذا أجبته ؟ هل قلت له مصيرهم الجنة ؟

( يضحك ).. إذا قلت له الجنة سيخبر بي الحاكم في سدراتة وستكون العاقبة وخيمة! لكنني قلت له :

وأنت تطرح هذا السؤال على نفسك أم عليهم؟!

فإذا كنت طرحته على نفسك من أجل مشاركتهم وإعانتهم باعتبارهم مجاهدين فالتحق بهم.

وإذا كنت تطرحه عليهم باعتبارهم خارجين عن القانون فهم في الجبال لا يسمعونك ولا يعبأون بما تقول !

فسكت ولم يجب .. ثم انتقلت إلى الغرب الجزائري وبالضبط إلى غليزان .

الشروق : وكيف حوّلوك إلى غليزان ؟

 لأن زوجتي من غليزان من ناحية، ومن ناحية أخرى أنا في مهمّة دائما تحت تصرف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

ولئن سألتني كيف تزوّجت من امرأة من الغرب الجزائري؟ فأقول إن عائلتها كانت تسكن ببني عباس في نواحي سطيف.

وإن سألتني كيف لم يحدث بينكما نزاع منذ تزوجتما – كما قلت لك – إلى أن فارقت هذه الدنيا؟

فاسأل القرآن الذي قال (وعاشروهن بالمعروف) وقد ذكر القرآن النساء في البقرة والنساء والأحزاب والطلاق والممتحنة والمجادلة.

ووالد زوجتي (رحمه الله) هو من تعرَّف عليّ هناك،
وكان هو رئيس مدرسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ببني عباس، وحفل الزفاف أقمناه في غليزان، وأهلها تكفلوا بكل شيء ( جزاهم الله خيرا )
ووجدت نفسي أمام امرأة خدوم لم ينشب بيننا أي خلاف طوال 59 سنة .

وبقيت في غليزان إلى غاية الاستقلال ..

وقد كانت الاتصالات بيني وبين أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين شبه منقطعة فالشيخ البشير بالخارج ومعهد عبد الحميد بن باديس أُغلق والشيخ العربي التبسي اختطف ولم يعثروا له على أثر .

الشروق : وماذا كان نصيبكم من الغنيمة في سنة 1962 ؟

 كان حظي في زمن توفيق المدني رحمه الله الذي أسندت إليه وزارة الأوقاف أن وجدت في جريدة الشعب ذات صباح صورتي على الصفحات الأولى مع :

  • الشيخ الياجوري
  • والشيخ الزبير

وبأسمائنا ونحن لا نعلم بذلك ولم نعطهم صورنا منوهة بنا كدعاة وأئمة كبار من علماء الجزائر.

هذا هو حظنا من الغنيمة يا ولدي

” الاسم عالي والجيب خالي “.

وما أثني عليه في ذلك الظرف هو عدم التعقيد ووضع العراقيل في وجه من يطلب الوظيفة على عكس الظرف الحالي الذي تعقدت فيه الأمور.

الشروق : هل صحيح أن خطبة الجمعة كانت تُملى عليكم من قبل الوزارة الوصية في ذلك الظرف ؟

 أتحدى من يثبت لي ذلك، حيث لم أتلق أية تعليمة وأنا أمارس الإمامة والخطابة من أيّ مسؤول يفرض عليّ أن أخطب في هذا الاتجاه أو ذاك .

الشروق : الشيخ معمر حني هل كُرّمت في عهد رئيس من رؤساء الجزائر ؟

 لم أُكرم من أيّة جهة واضطررت أنا والشيخ الياجوري أن نترك قطاع الشؤون الدينية وننتقل إلى قطاع التربية التي بقيت فيها 18 عاما كأستاذ في ثانوية العقيد لطفي.

الشروق : لماذا قررت الانتقال إلى وزارة التربية ؟

 هناك نكتة لأحد الأئمة المتضررين مثلي من راتب هزيل في قطاع الشؤون الدينية..

وقد قرر الالتحاق بسلك التعليم الذي كان الراتب فيه محترما فوقعت الهجرة كما هاجر الصحابة من بطش قريش في مكة إلى الأمان في المدينة المنورة.

وهذه النكتة يردّدها الشيخ شيبان (حفظه الله) عندما أرسل إليه إمام يريد الالتحاق بقطاع التربية رسالة يقول له فيها :

” أخرجني من بيت الله يرحمك الله”!

والله يرحم مولود قاسم الذي تم بفضله إدخال الأئمة إلى التوظيف العمومي،

ونالوا في عهد إشرافه على قطاع الدين حقوقا لم يحلموا بها في عهد أسلافه من الوزراء .

الشروق : عندما فتح الرئيس الشاذلي بن جديد أبواب التعددية وكانت الفوضى هي الطاغية ماذا كنت تتوقع ؟

 أنا رجل قرآن وقد آليت على نفسي ألاّ أحشر أنفي في ما لا يعنيني، وحاول عباسي مدني جلبي وزارني بوفد كبير في هذا البيت الذي تراه..

وزارني علي بن حاج مرتين، وتعالت في هذا الشارع الزغاريد!

كما زارني الشيخ محفوظ نحناح (رحمه الله) وصلى معي في المسجد الذي كنت أقيم فيه الجمعة (مسجد قباء) ولاحظت عدم الرضا عني من قبل أتباعه ومريديه.

إذ كانوا ينتظرون منّي أن أستقبله استقبالي لخليفة المسلمين وأن أقدمه ليلقي درس الجمعة كما جرت العادة لدى بعض الأئمة مع الشخصيات الدينية المرموقة!

ولا أخفي عنك القول بأنني في ذلك اليوم عندما أُعلمت بقدوم الشيخ نحناح للصلاة معي،

هرعت بسرعة إلى المسجد حتى أسبقه إلى كرسي التدريس لأنه إذا وصل قبلي سيقدمه أتباعه !!

الشروق : هل كتبت مذكراتك وهل لك مؤلفات ؟

 لم أكتب مذكراتي والتدريس عاقني عن التأليف وكل خطبي ودروسي غير محتفظ بها للأسف الشديد ولو جُمعت لزادت على 20 كتابا .

الشروق : أحسن مرحلة مرت بها الجزائر وأحسن رئيس قادها من تراه ؟

 مرحلة الشاذلي بن جديد، والأكثرية مع هذا الرأي .

الشروق : أسوأ موقف رأيته وشعرت أنه أساء إلى الجزائر؟

 الشيخ معمر حني :

هو شعوري بالغبن وأنا عضو لجنة التحكيم في المسابقة العالمية للقرآن الكريم التي أقيمت بالسعودية، وذلك في عهد بوعلام باقي وزير الشؤون الدينية..

حيث اختاروا للمسابقة عن طريق “بنعميس” – طبعا – مرشحين ليمثلوا الجزائر ليسوا في المستوى ولا يحفظون القرآن..

فكان كل واحد منهم يقرأ آية وآيتين ويتوقف فيتمم له عضو إلى جانبي، ثم يتلو ويتوقف وأنا أكاد أسقط من الخجل وأتصبّب عرقا .

الشروق : الشيخ معمر حني هل لكم في الأخير توجيه نصيحة لرجال جمعية العلماء والشعب الجزائري في شهر رمضان ؟

أقول للجميع :

  • أعانكم الله على الخير.
  • وبارك الله في جريدة “الشروق”.
  • وبارك الله في كل من يساهم في إخراجنا من اسم التصغير “رويجل”، “مرية”، “شعيب”، “دويلة”، “حزيب” فقد قزَّمنا أنفسنا بأنفسنا للأسف الشديد.

المصادر :

رابط مصدر المقال.

تقييم الموضوع

نسبة التقييم

تقييم المستخدمون: 4.6 ( 1 أصوات)

عن إدارة الموقع

موقع مدينة قمار، منارة العلم والتنوير ومعين المعرفة والعرفان ، زهرة المدائن الجزائرية وجوهرة الصحراء.

شاهد أيضاً

وفاة الفيلسوف الجزائري البوخاري حمانة

الفيلسوف الجزائري البوخاري حمانة في ذمة الله

الفيلسوف الجزائري البوخاري حمانة في ذمة الله [Gum_Resp_In_Post] ببالغ الأسى والحزن انتقل إلى رحمة الله، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *